محمد متولي الشعراوي
1151
تفسير الشعراوي
أتصدق به . فقيل لها : أتتصدقين به مجلوا ومعطرا ؟ قالت الزهراء بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لأنى أعلم أنه يقع في يد اللّه قبل أن يقع في يد الفقير . إن الأجر يكون عند من يغليه ويعليه ويرتفع بقيمته وهو الخالق الوهاب . ولنتأمل قوله الحق : « وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » لماذا لم يقل اللّه : ولا خوف منهم ؟ . لأن الحق يريد أن يوضح لنا بقوله : « وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ » أن هناك عنصرا ثالثا سيتدخل . إنه تدخل من شخص قد يظهر للإنسان المنفق أنه محب له ، فيقول : ادخر للأيام القادمة ، ادخر لأولادك . لمثل هذا العنصر يقول الحق : « وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ » أي إياك يا صاحب مثل هذا الرأي أن تتدخل باسم الحب ، ولتوفر كلامك ؛ لأن المنفق في سبيل اللّه إنما يجد العطاء والحماية من اللّه . فلا خوف على المنفق في سبيل اللّه ، وليس ذلك فقط ، إنما يقول الحق عن المنفقين في سبيل اللّه دون منّ ولا أذى : « وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » ومعناها أنه سوف يأتي في تصرفات الحق معهم ما يفرحهم بأنهم تصدقوا إما بسرعة الخلف عليهم ، أو برضى النفس ، أو برزق السلب ، فآفة الناس أنهم ينظرون إلى رزق الإيجاب دائما ، أي أن يقيس البشر الرزق بما يدخل له من مال ، ولا يقيسون الأمر برزق السلب ، ورزق السلب هو محط البركة . هب أن إنسانا راتبه خمسون جنيها ، وبعد ذلك يسلب اللّه منه مصارف تطلب منه مائة جنيه ، كأن يدخل فيجد ولده متعبا وحرارته مرتفعة ، فيرزق اللّه قلب الرجل الاطمئنان ، ويطلب من الأم أن تعد كوبا من الشاى للابن ويعطيه قرصا من الأسبرين ، وتذهب الوعكة وتنتهى المسألة . ورجل آخر يدخل ويجد ولده متعبا وحرارته مرتفعة ، وتستمر الحرارة لأكثر من يوم ، فيقذف اللّه في قلبه الرعب ، وتأتى الخيالات والأوهام عن المرض في ذهن الرجل ، فيذهب بابنه إلى الطبيب فينفق خمسين أو مائة من الجنيهات .